الخطيب الشربيني
404
مغني المحتاج
تنبيه : من نصب أرباب المسائل حاكما في الجرح والتعديل كفى أن ينهي إلى القاضي وحده ذلك ، فلا يعتبر العدد لأنه حاكم فالحكم مبني على قوله ، وكذا لو أمر القاضي صاحب المسألة بالبحث فبحث وشهد بما بحثه ، لكن يعتبر العدد لأنه شاهد . قال في أصل الروضة : وإذا تأملت كلام الأصحاب فقد تقول ينبغي أن لا يكون فيه خلاف محقق ، بل إن ولي صاحب المسألة الجرح والتعديل فحكم القاضي مبني على قوله ، فلا يعتبر العدد لأنه حاكم ، وإن أمره بالبحث فبحث ووقف على حال الشاهد وشهد به ، فالحكم أيضا مبني على قوله ، لكن يعتبر العدد لأنه شاهد ، وإن أمره بمراجعة مزكين وإعلامه ما عندهما فهو رسول محض فليحضر أو يشهدا ، وكذا لو شهدا على شهادتهما لأن شاهد الفرع لا يقبل مع حضور الأصل اه . فقد رفع بذلك الخلاف في أن الحكم بقول المزكين أو بقول هؤلاء . والذي نقله عن الأكثرين أنه بقول هؤلاء ، وهو كما قال شيخنا المعتمد . واعتذر ابن الصباغ عن كونه شهادة على شهادة مع حضور الأصل بالحاجة ، لأن المزكين لا يكلفون الحضور . ويعتبر فيمن نصب حاكما في الجرح والتعديل صفات القضاة . ( وشرطه ) أي المزكى الذي يشهد بالعدالة مثلا ، ( كشاهد ) أي كشرطه . وقضيته عدم شهادة الأب بتعديل الابن وعكسه ، وهو الأصح . ( مع معرفة ) أسباب ( الجرح والتعديل ) لئلا يجرح العدل ويزكى الفاسق ، ( وخبرة باطن من يعدله لصحبة أو جوار ) بكسر الجيم أفصح من ضمها ، ( أو معاملة ) ونحوها ، فعن عمر رضي الله تعالى عنه أن اثنين شهدا عنده ، فقال لهما : إني لا أعرفكما ، ولا يضركما أني لا أعرفكما ، ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل ، فقال له عمر : كيف تعرفهما ؟ قال : بالصلاح والأمانة ، قال : هل كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما ؟ قال : لا ، قال : هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي يعرف بهما أمانات الرجال ؟ قال : لا ، قال : هل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال ؟ قال : لا ، قال : فأنت لا تعرفهما ، ائتيا بمن يعرفكما والمعنى فيه أن أسباب الفسق خفية غالبا ، فلا بد من معرفة المزكى حال من يزكيه . ويشترط علم القاضي بأنه خبير بباطن الحال إلا إذا علم من عدالته أنه لا يزكى إلا بعد الخبرة فيعتمده . ولا يعتبر في خبرة الباطن التقادم في معرفته ، بل يكتفي بشدة الفحص ولو غريبا يصل المزكى بفحصه إلى كونه خبيرا بباطنه ، فحين يغلب على ظنه عدالته باستفاضة شهد بها . واحترز المصنف بقوله : من يعدله عن الشاهد بالجرح ، فإنه لا يشترط فيه الخبرة الباطنة فإنه لا يقبل إلا مفسرا . وما ذكره من اعتبار شروط الشاهد محله في غير المنصوب ، أما من نصب حاكما في الجرح والتعديل فيعتبر فيه صفات القاضي كما مر . وقوله : وخبرة ومجرور بالعطف على قوله : مع معرفته ، وجوز ابن الفركاح رفعه بالعطف على خبرة قوله : وشرطه خبرة . ( والأصح اشتراط لفظ شهادة ) من المزكى ، فيقول : أشهد أنه عدل أو غير عدل لكذا كسائر الشهادات . والثاني : لا يشترط لفظها ، بل يكفي أعلم وأتحقق وهو شاذ . ( و ) الأصح ( أنه يكفي ) مع لفظ الشهادة قول المزكى : ( هو عدل ) لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها ظاهر قوله تعالى : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * وهذا ما نص عليه في حرملة . ( وقيل ) ونص عليه في الام والمختصر : ( يزيد ) على ذلك قوله : ( علي ولي ) لأن قوله : هو عدل لا يمنع أن يكون عدلا في شئ دون شئ ، فهذه الزيادة تزيل الاحتمال ، وعلى الأول تأكيد . ولو شهد عند القاضي جماعة وأشكل عليه عدالتهم فأخبر نائب القاضي أن اثنين منهم عدلان ، فإن عينهما حكم وإلا فلا . ( ويجب ذكر سبب الجرح ) صريحا كقوله : هو زان أو قاذف أو سارق أو نحو ذلك ، أو يقول ما يعتقده من البدعة المنكرة ، لأن أسباب الجرح مختلف فيها ، فلا بد من البيان ليفعل القاضي باجتهاده ، ويكفي ذكر بعض أسباب . وقيل إن كان الجارح عالما بالأسباب اكتفي بإطلاقه وإلا فلا .